هل هناك اليوم مكان للطب الروحاني؟
هل هناك اليوم مكان للطب الروحاني؟
إعداد :أ.د. نهى أبوكريشة 2008
بالتجربة أدركتُ مدى أهمية روح الإنسان في العلاج والشفاء وخلصت إلى نتيجة أنه كلما كانت روح المريض قوية كلما كان تحسنه أفضل وشفاؤه أقرب.
كما أن يقين المريض بربه يمنحه سعادة في أحلك الظروف فكم رأيت مريضة لا تترك المسبحة من يديها وهي تقول هذا دوائي الروحاني . ربما تكلمت بفطرتها وهي لا تعلم أن العلم الآن يتجه نحو إدراج الروحانية في العلاج بل وتم عمل مقاييس لقياس روحانية المريض وذلك لعمل الابحاث الطبية على اسس رقمية لأن لغة الأرقام هي لغة العلم اليقيني .
كثير من الأطباء المخضرمين يعلمون يقينا أن ارتياح المريض للطبيب ربما يكون كافيا لشفائه حتى قبل أن يأخذ أي دواء.
وقد قرأت في مجلة علم الأعصاب اليوم كيف ان الطبيب في بداية حياته العملية يصف عشرين دواء لكل مرض فإذا صار مخضرما وصف دواءا واحدا لعشرين مرض وذلك لأنه يعلم أن إيقاظ الصيدلية الداخلية للمريض أهم من أدوية الصيدلية الخارجية.
ليس هذا فحسب فربما كلمة من الطبيب الحكيم تكون سببا في انتهاء العلة وبداية الصحة ونشاهد هذا يوميا.
هل يعني هذا اننا نعود إلى فلسفة الطب الإسلامي
لننظر ما هي مباديء هذه الفلسفة

من كتاب في التراث الطبي العربي للدكتور قطابة
{ يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}(1).
تميز الطب العربي الإسلامي بمبادئ متعددة، منها :
ـ التوحيد، والاعتدال، والغائية، والإنسانية.
يؤمن المسلم بأن اللّه سبحانه وتعالى هو الحقيقة، الحق الأزلي، الواجب الوجود، والوصول إليه يكون عن طريق : المعرفة، ووسيلتها العلم. ومن أنبل وأرفع الألقاب هو لقب "العارف باللّه".
كما أنه يعتقد بأن الهدف من كل أعماله مرضاة اللّه تعالى، والفوز بالحياة الباقية عن طريق العمل الصالح. والخير هو قمة العمل الصالح، والطب من أعمال الخير.
يقول علي بن رضوان (1067-986) رئيس أطباء مصر(2) : >أدق السعادة الإنسانية على اليقين والصحة هي التفلسف علماً وعملاً، وأقدر الناس على ذلك : الطبيب، إذا صرف بعض يومه في رياضة بدنه في أعمال الطب، وصرف ما قي يومه في العمل الصالح<.
فالطب في دراسته للجسم الإنساني تسبيح وتمجيد للخالق وعمله في مخلوقاته، والخير : هو تخفيف آلام البشر وأمراضهم. لذا فقد اهتم معظم الأطباء العرب والمسلمين بالفلسفة، حتى قسمهم سارتون إلى أطباء فلاسفة، وفلاسفة أطباء.
ولكن البعض منهم رفض ضرورة اهتمام الطبيب بالفلسفة وألح على اقتصاره على الطب أمثال ابن زهر.
ولا تزال هذه المناقشة قائمةً حتى أيامنا هذه، فمعظم الأطباء لا يهتم إلا بعمله التقني الذي يجلب له الربح الأكيد، ضارباً عرض الحائط نتائج أبحاثه وأعماله مهما كانت، حتى وصل الأمر بحضارتنا إلى إيجاد هوة كبيرة وسحيقة بين المستوى التقني الرفيع والمستوى الأخلاقي المتدهور.
رفض العلماء المسلمون هذا الشقاق حتى قيل : فُضِّلت الأخلاق على العلم، بعد أن كانت رتبة العلم أعلى الرتب.
وإذا استطاع الطبيب أن يجمع بين ذلك وصل إلى الحكمة. ولقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}(3).
كانت نظرة الطبيب إلى الإنسان ضمن بيئته وكونه، نظرة شمولية توحيدية، فالقلب مثلاً جزء من الجسم ومرضه يجر مرض الجسم كله. بل إنه يسبب مرض النفْس أيضاً.
فإذا كان الطب الحديث قد تغلغل وأوغل في البحث ضمن الخلية ونواتها وصبغياتها ومورّثاتها، وحوامضها الآمينية، حتى استطاع تركيبها اصطناعياً، وراح يقوم بعمليات الاستنساخ، فإن الطب العربي كان يحرص على وضع الإنسان ضمن بيئته وشروطها.
المبدأ الثاني : هو الاعتدال
على عكس ما يعتقده العامة من الناس، وخاصةً في أوروبا، فإن الإسلام دين يحب بل ويرتكز على الاعتدال. ولقد شجع الإسلام على العيش باعتدال فـ"لا رهبانية في الإسلام"، كما جاء في الحديث الشريف. وقالص : >إن لجسدك عليك حقاً<. وقال : >أوصيكم بقلة الطعام<. وقال : >نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع<. وجاء في القرآن الكريم : {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}(4).
والاعتدال هو التوازن بين الحياة والصحة الجسدية، التوازن بينها وبين الحياة الروحية التي تؤمن للإنسان انسجاماً بينه وبين بيئته. وكل هذا يقود إلى السعادة.
يقول ابن سينا : >إن المعتدل الذي يستعمله الأطباء في مباحثهم مشتق من العدل في القسمة. وهو أن يكون قد توفر فيه على الممتزج بدناً كان بتمامه، أو عضواً من العناصر بكمياتها وكيفياتها، القسط الذي ينبغي له في المزاج الإنساني إلى أعدل قسمة ونسبة<. ثم يضيف : >إن اللّه جل جلاله أعطى الإنسان أعدل مزاج ممكن أن يكون في هذا العالم<.
والاعتدال هو حال الصحة. أما المرض فهو فساد الاعتدال، واختلال التوازن هذا، بحيث وتكون المعالجة برد الاعتدال، وذلك باستخراج الخلط الزائد بالاستفراغ؛ أي تفريغ العضو أو الجسم من أحد هذه الأخلاط الزائدة : بالتقيء، والإسهال، والفصد، والتعرق.
وللمرض سَيْرٌ مقنَّن : ابتداء، وصعود، فنهاية ثم انحطاط. وتكون النهاية إما بالشفاء، أوبالاختلاطات والعقابيل، أو الموت.
المبدأ الفلسفي الثالث هو : الغائية
وهي تعني أن هناك حكمة في خلق كل مخلوق، قد يستطيع الذكاء الإنساني أن يتوصل إليها، أو لا يمكنه ذلك.
وكان صاحب هذه النظرية جالينوس، رغم أنه كان وثنياً. من هنا جاء إعجاب المسلمين به وتلقيبه بالفاضل هو وأبقراط.
كان المسلم، ولا يزال، يؤمن أن دراسة الطب تزيد من إيمانه، تمشياً مع الآية الكريمة { ضرب لكم مثلاً من أنفسكم}(5).
يقول ابن رشد: >إن الموجودات إنما تدل على الصانع (…) >لذلك وجب على من أراد أن يعرف اللّه تعالى المعرفة التامة أن يفحص منافع الموجودات، وأن يعرف جواهر الأشياء، ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع<، وهو القائل : >من اشتغل بالتشريح، ازداد إيماناً<.
المبدأ الرابع : الإنسانية
تميز الإسلام، بالنسبة للوثنية اليونانية ـ الرومانية بتعاليمه الإنسانية : كالتشديد على احترام الوالدين، والمسنين، واليتامى، وأبناء السبيل، وعلى احترام الفقير ومساعدته، وعلى احترام الأديان السماوية والتسامح مع المؤمنين. والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة في هذا الموضوع ، أشهر من أن تذكر.
وكانت النتيجة : إقامة المستشفيات الكثيرة، وخاصةً المتخصصة بمعالجة الأمراض العقلية، حيث كان المرضى يعالجون بالموسيقى، والرقص، والغناء.
وكثرة المتبرعين من الأغنياء والملوك والأمراء بوقف الأملاك على هذه المستشفيات ودور التعليم الطبية، بالإضافة إلى بناء المياتم ودور العجزة، والحث على تطبيب الفقراء احتساباً والأغنياء اكتساباً.
وهكذا فليس الطب علماً فقط، بل طريق من طرق المعرفة الموصلة إلى الحقيقة الأزلية؛ أي إلى اللّه سبحانه وتعالى. إنه نوع من أنواع العبادة، وضرب من ضروب الجهاد.
فلا عجب أن يصف علي بن رضوان الطبيب المتصف بالصفات الأخلاقية الإسلامية بأنه وليّ من أولياء اللّه(6).
ولا بد من أن نذكر بأن من أسباب التقدم في ميدان الطب إبان الحضارة العربية الإسلامية، حث النبي المسلمين على التداوي، إذ قال : >تداووا، عباد اللّه فما أنزل اللّه من داء إلا وأنزل له الدواء<، ولا يقتصر معنى هذا الحديث الشريف، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، على التداوي فحسب، بل إنه يحث العالم على البحث عن الدواء. ويبعث في نفس الطبيب الأمل في إيجاد لكل علة ما تستحقه من دواء. وهكذا فقد فتح رسول اللّه # باب البحث العلمي على مصراعيه.
المراجع
(1)سورة البقرة، الآية269 .
(2) ابن رضوان، علي، شرف الطب، تحقيق: د. سلمان قطاية ـ مجلة تاريخ العلوم العربية، العدد 2، المجلد 2، 1979، حلب.
(3)سورة البقرة، الآية269 .
(4) سورة الأعراف، الآية 31.
(5) سورة الروم، الآية 28.
(6) Sarton . G. Introduction to the History of Science -Williams et Wilkins - Baltimore .
و في العقد الماضي ومع أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات الميلادية بدأت الأبحاث والدراسات تشير إلى دور العقل والروح في تحقيق الشفاء والعلاج عند المريض ومن هذه المؤسسات الرائدة مؤسسة في بوسطن تسمى معهد العقل والجسد (Mind _ Body Institute) وهي تابعة لكلية طب جامعة هارفارد وتقوم بدراسة دور العقل والروح في علاج الأمراض والأسقام على أسس علمية دقيقة واستنباط بعض الممارسات التي يمكن أن تساعد على الشفاء وتُعتمد من كلية طب جامعة هارفارد إذا تحققت فيها وأُسْتُكْمِلَتْ الشروط الدقيقة المتعارف عليها في البحث العلمي.(7)
وفي هذا المعهد يبحث عن كل الممارسات التي تساهم في الشفاء فعلى سبيل المثال يؤكد الدكتور بنسون (Benson) وهو مؤسس هذا المعهد، يؤكد ما للتسبيح عند المسلمين من تأثير على ما يسميه (Relaxation Response) والذي يؤدي إلى حالة ارتخاء صحي من خفض لدقات القلب وضغط الدم وارتخاء العضلات وخفض أنشــــطة الدماغ، بمـــا في ذلك فوائد جمة على أعضاء الجسم كله ويـــؤدي إلى خفض نسبة الإصابات بالذبحة الصــــدرية والدماغية ولغط القلب والضــــغط وغيره من الأمـــراض المزمـــــنة الفتاكة.(7)
وبدأت الكليات الطبية الرائدة في الغرب تتحدث مرة أخرى عن وجوب التعامل مع المريض كجسد وعقل وروح..
فعلى الطبيب المعالج، بغض النظر عن تخصصه، تلبية عند الاحتياج النفسي والعاطفي والروحي عند المريض، حيث إن الأبحاث والدرا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ